السيد محمد تقي المدرسي

171

من هدى القرآن

فإن المجتمع حينما تحكمه القوانين الإلهية سوف ينمو اقتصاديًّا وحضاريًّا لصالح الناس وحتى لصالح أصحاب الثروة ، لما في الرسالة من برامج لتنميتها وتدويرها . وليس أدل على ذلك من دراسة تجربة مجتمع الجاهلية المتخلف في شبه الجزيرة العربية ومقارنتها بواقع الإسلام حينما آمنوا بمناهجه وكيف تطورت حياتهم ، فلماذا إذن يُكَذِّب المترفون ؟ ! . « أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ » والمغرم في التجارة : الخسارة أو ما يعطى من المال على كره ، والتجارة التي يدل الرسول الناس إليها لا خسارة فيها ، بلى هي مشتملة على أرباح الدنيا والآخرة ، كما أنه صلى الله عليه وآله لا يسأل أحدا أجرا على تبليغ الرسالة لأنه صلى الله عليه وآله ( وكذلك كل قيادة رسالية ) إنما يبلغ لوجه الله لا يريد جزاء ولا شكورا ، ولا يطالب بمال ولا منصب ، إنما لأجر الله عز وجل الذي وعده وكل مصلح مخلص فقال : « وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ » [ القلم : 3 ] كما مر في مطلع السورة . نعم . إن دعوة الرسول صلى الله عليه وآله خالصة من أي تطلع نحو حطام الدنيا ، فلا مبرر يدعو المترفين للتكذيب به أو التشكيك في سلامة رسالته ، وحيث يتثاقلون عن اتباعه فلمرض في صدورهم . ثالثاً : البطر [ 47 ] إن المترفين ينظرون إلى الحياة ويقيمون كل شيء فيها من خلال المادة ( المال والثروة ) وكأنها كل شيء ، وما دامت في أيديهم فإنهم لا يحسون بالحاجة إلى العلم أو القائد العالم الذي يهديهم إلى الحق ، ويرشدهم في جوانب الحياة المعنوية ، والقرآن ينفي ذلك فيتساءل مستنكرا : « أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ » كلا . . إن علم الغيب يختص بالله ، وإذا أخرجه الله فهو إما في رسالاته وإما عند رسله الذين يرتضي ، لأنهم وحدهم الذين يتصلون به عبر الوحي . والذي يريد اتصالا بالغيب فلا طريق له إليه إلا بالتصديق بالرسالة والرسول « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ » [ آل عمران : 179 ] « 1 » ، والمترفون يكذبون بهما فكيف يدَّعون علم الغيب ؟ ! إن علم الغيب عند الله وهو وحده الذي يستطيع أن يكتبه بالقلم على لوح الأقدار ، لأنه لا يتبع الظن أو التخمين . أما البشر فإنهم ولو ادعوا ذلك ( كالمنجمين والكهنة ) فهم لا يثبتونه بمثل الكتابة باعتباره لا قطع به . وإن المترفين ليدَّعون علم الغيب حيث يظنون في أنفسهم أن أموالهم باقية وسوف تزداد في المستقبل ، ولا يدرون لعلها في علم الله تزول ، قال تعالى : « أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَداً ( 77 ) أَاطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ( 78 ) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدّاً » [ مريم : 77 - 79 ] .

--> ( 1 ) ولقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق مفصل للترف والمترفين .